محمد بن محمد النويري
122
شرح طيبة النشر في القراءات العشر
والقراءات المشهورة نقلت تواترا ، وهي التي جمعها عثمان في المصاحف وبعث « 1 » بها إلى الأمصار ، وأسقط ما لم يقع الاتفاق على نقله ولم ينقل تواترا ، وكان ذلك بإجماع من الصحابة « 2 » . ثم قال : فهذه أصول وقواعد تستقل « 3 » بالبرهان على إثبات القراءات السبعة ، والاعتماد
--> ( 1 ) في م : وبعثها . ( 2 ) اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالتواتر ، وفيه إشكال ؛ وذلك لأنا نقول : هذه القراءة إما أن تكون منقولة بالتواتر ، أو لا . فإن كان الأول ، فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله - تعالى - قد خير المكلفين بين هذه القراءات ، وسوّى بينها في الجواز . وإذا كان كذلك ، كان ترجيح بعضها على البعض واقعا على خلاف الحكم المتواتر ؛ فواجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض ، مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير ، لكنا نرى أن كل واحد يختص بنوع معين من القراءة ، ويحمل الناس عليها ، ويمنعهم من غيرها ، فوجب أن يلزم في حقهم ما ذكرناه . وإن قلنا : هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر ؛ بل بطريق الآحاد ، فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدا للجزم ، والقطع اليقين ؛ وذلك باطل بالإجماع ، ولقائل أن يجيب عنه ، فيقول : بعضها متواتر ، ولا خلاف بين الأمة فيه ، وتجويز القراءة بكل واحد منها ، وبعضها من باب الآحاد ، لا يقتضى كون القراءة بكليته خارجا عن كونه قطعيّا ، والله أعلم ، ذكره ابن الخطيب . وذكر ابن عادل الحنبلي في اللباب : أن من المتفق عليه عند العلماء وأرباب النظر : أن القرآن الكريم لا تجوز الرواية فيه بالمعنى ، بل أجمعوا على وجوب روايته لفظة لفظة ، وعلى أسلوبه وترتيبه ، ولهذا كان تواتره اللفظي لا يشك فيه أدنى عاقل ، أو صاحب حس . ثم إن التواتر عند جمهور العلماء يفيد العلم ضرورة ، بينما خالف في إفادته العلم مطلقا السّمنية والبراهمة . وخالف في إفادته العلم الضروري الكعبي وأبو الحسين من المعتزلة ، وإمام الحرمين من الشافعية ، وقالوا : إنه يفيد العلم نظرا . وذهب المرتضى من الرافضة ، والآمدي من الشافعية إلى التوقف في إفادته العلم ، هل هو نظري أو ضروري ؟ وقال الغزالي : إنه من قبيل القضايا التي قياساتها معها ، فليس أوليّا ، وليس كسبيّا . واحتج الجمهور أنه ثابت بالضرورة ، وإنكاره مكابرة وتشكيك في أمر ضروري ؛ فإنا نجد من أنفسنا العلم الضروري بالبلدان البعيدة ، والأمم السالفة ، كما نجد العلم بالمحسوسات لا فرق بينها فيما يعود إلى الجزم ، وما ذاك إلا بالإخبار قطعا ولو كان نظريّا لافتقر إلى توسط المقدمتين في لإثباته واللازم باطل ؛ لأننا نعلم قطعا علمنا بالمتواترات من غير أن نفتقر إلى المقدمات وترتيبها . كما أنه لو كان نظريّا ، لساغ الخلاف فيه ككل النظريات ، واللازم باطل . فثبت مما تقدم أن المتواتر يفيد العلم ، وأن العلم به ضروري كسائر الضروريات . ينظر : البحر المحيط للزركشى : ( 4 / 231 ) ، والبرهان لإمام الحرمين : ( 1 / 566 ) ، والإحكام في أصول الأحكام للآمدى : ( 2 / 14 ) ، ونهاية السول للإسنوى : ( 3 / 54 ) ، ومنهاج العقول للبدخشى : ( 2 / 296 ) ، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري : ( 95 ) ، والتحصيل من المحصول للأرموى : ( 2 / 95 ) . ( 3 ) في ص : يستقل .